سلمان المحمدي وأخباره وفضائله

2016-06-28
93
8653

الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة - السيد على خان المدنى الشيرازي

أصله من فارس من رامهرمز وقيل بل من أصبهان من قرية يقال لها جي بفتح الجيم وتشديد الياء المثناة من تحت وكان أسمه عند أبيه روزبه وقيل ما هو وقيل ما به بن بهبود ابن بدخشان من ولد منوجهر الملك وقيل بهودان بن بودخشان بن موسلا بن فيروز بن مهرك من ولد الملك وهو معدود من موالى رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيته أبو عبد الله وكان إذا قيل له ابن من أنت يقول انا سلمان ابن الإسلام انا من بني آدم. قال ابن بابويه ره كان اسم سلمان روزبه ابن خشنودان وما سجد قط لمطلع الشمس كما كان يفعل قومه وإنما كان يسجد له عز وجل وكانت القبلة التي أمر بالصلاة إليها شرقية وكان أبواه يظنان انه إنما يسجد لمطلع الشمس مثلهم وكان سلمان وصى عيسى " ع " في أداء ما حمل إلى من انتهت إليه الوصية من المعصومين انتهى. وقد روى أنه تداوله أرباب كثيرة بضع عشر ربا من واحد إلى آخر حتى أفضى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكان إسلامه للسنة الأولى من الهجرة وفى رواية في جمادى الأولى منها.

وقد ذكر كثير من المحدثين حديث إسلامه ورووه عنه بوجوه مختلقة الأشهر منها ما روى أنه قال كنت ابن دهقان قرية جي من أصبهان وبلغ من حب أبى إلى أن حبسني في البيت كما تحبس الجارية فاجتهدت في المجوسية حتى صرت قطة بيت النار فأرسلني أبى يوما إلى ضيعة له فمررت بكنيسة النصارى فدخلت عليهم فأعجبتني صلوتهم فقلت دين هؤلاء خير من ديني فسألتهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فهربت من والدي حتى قدمت الشام فدخلت على الأسقف وجعلت أخدمه وأتعلم منه حتى حضرته الوفاة فقلت له إلى من توصي لي فقال قد هلك الناس وتركوا دينهم إلا رجلا بالموصل فالحق به فلما قضى نحبه لحفت بذلك الرجل فلم يلبث إلا قليلا حتى حضرته الوفاة فقلت له إلى من توصي لي فقال ما أعلم رجلا بقى على الطريقة المستقيمة إلا واحدا بنصيبين فلحقت بصاحب نصيبين قالوا وتلك الصومعة اليوم باقية وهي التي تعبد فيها سلمان قبل الاسلام ثم احتضر صاحب نصيبين فبعثني إلى رجل بعمورية من ارض الروم فأتيته وأقمت عنده واكتسبت بقيرات وغنيمات فلما نزل به الموت قلت له إلى من توصي لي فقال قد ترك الناس دينهم وما بقى أحد منهم على الحق وقد اطل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم " ع " يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى ارض بين حرتين بها نخل قلت فما علامته قال يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة قال ومر بي ركب من كلب فخرجت معهم فلما بلغوا وادى القرى ظلموني وباعوني من يهودي فكنت أعمل له في نخله وزرعه فبينا انا عنده إذ قدم ابن عم له فابتاعني منه وحملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا ان رأيتها فعرفتها وبعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بمكة ولا علم لي بشئ من أمره فبينا انا في رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لسيدي فقال قاتل الله بنى قيلة قد اجتمعوا على رجل بقبا قدم عليهم من مكة يزعمون أنه نبي فأخذني العرق والانتفاض ونزلت عن النخلة وجعلت استقصى في السؤال فما كلمني سيدي بكلمة بل قال أقبل على شأنك ودع ما لا يعنيك فلما أمسيت أخذت شيئا كان عندي من التمر وأتيت به النبي صلى الله عليه وآله فقلت له بلغني إنك رجل صالح وان لك أصحابا غرباء ذوي حاجة وهذا شئ كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم فقال صلى الله عليه وآله لأصحابه كلوا وامسك فلم يأكل فقلت في نفسي هذه واحدة وانصرفت فلما كان من الغد أخذت ما كان بقى عندي وأتيته به فقلت له إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية فقال صلى الله عليه وآله كلوا واكل معهم فقلت في نفسي هاتان اثنتان ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ببقيع الغرقد وقد تبع جنازة رجل من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت خلفه انظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصفه لي صاحبي بعمورية فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وآله استدبره عرف إني أثبت في شئ وصف لي فألقى ردائه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال مالك فقصصت عليه القصة فأعجبه ثم قال يا سلمان كاتب صاحبك فكاتبته على ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية فقال سول الله صلى الله عليه وآله للأنصار أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية فوضعها رسول الله صلى الله عليه وآله بيده فصحت كلها واتاه مال من بعض المغازي فأعطاني منه وقال أد كتابتك فاديت وأعتقت.

وروى ابن بابويه في كتاب اكمال الدين خبر اسلامه باسناده إلى موسى ابن جعفر " ع " قال حدثني أبي صلوات الله عليه ان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " ع " وسلمان الفارسي وأبا ذر وجماعة من قريش كانوا مجتمعين عند قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال أمير المؤمنين " ع " يا أبا عبد الله الا تخبرنا بمبدأ أمرك فقال سلمان والله يا أمير المؤمنين لو أن غيرك سألني ما أخبرته انا كنت رجلا من أبناء أهل شيراز من الدهاقين وكنت عزيزا على والدي فبينا انا سائر مع والدي في عيد لهم إذ انا بصومعة وإذا فيها رجل ينادى اشهد ان لا إله إلا الله وان عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله فرصف حب محمد صلى الله عليه وآله في لحمي ودمي فلم يهنئني طعام ولا شراب فقالت لي أمي مالك اليوم لم تسجد لمطلع الشمس قال فكابرتها حتى سكتت فلما انصرفت إلى منزلي إذ انا بكتاب معلق من السقف فقلت لأمي ما هذا الكتاب فقالت روزبه ان هذا الكتاب لما رجعنا من عيدنا رأيناه معلقا فلا تقرب ذلك المكان فإنك إن قربته قتلك أبوك قال فجاهدتها حتى جن الليل ونام أبى وأمي فقمت فأخذت الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من الله إلى آدم " ع " وانه خلق من صلبه نبيا يقال له محمد بأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن عبادة الأوثان يا روزبه أنت وصى عيسى فآمن واترك المجوسية قال فصعقت صعقة وزادني شدة قال فعلم أبى وأمي بذلك فأخذوني وجعلوني في بئر عميقة وقالا لي ان رجعت وإلا قتلناك فقلت لهما افعلا بي ما شئتما فان حب محمد لا يذهب من صدري قال سلمان ما كنت أعرف العربية قبل قراءتي ذلك الكتاب ولقد فهمني الله العربية من ذلك اليوم قال فبقيت في البئر فجعلوا ينزلون إلى أقراصا صغارا قال فلما طال أمرى رفعت يدي إلى السماء فقلت يا رب انك حببت محمدا صلى الله عليه وآله ووصيه إلى فبحق وسيلته عجل فرجى وأرحني مما انا فيه فأتاني آت عليه ثياب بيض فقال قم يا روزبه فاخذ بيدي وأتى بي إلى الصومعة فأنشأت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وان عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله فأشرف على الديراني فقال أنت روزبه فقلت نعم فقال اصعد فأصعدني إليه فخدمته حولين كاملين فلما حضرته الوفاة قال انى ميت فقلت على من تخلفني قال لا أعرف أحدا يقول بمقالتي إلا راهبا بأنطاكية فإذا لقيته فاقرأه منى السلام وادفع إليه هذا اللوح وناولني لوحا فلما مات غسلته وكفنته ودفنته واخذت اللوح وصرت به إلى أنطاكية وأتيت الصومعة وأنشأت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وان عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فأشرف على الديراني فقال لي أنت روزبه فقلت نعم فقال اصعد فصعدت وخدمته حولين كاملين فلما حضرته الوفاة قال انى ميت فقلت على من تخلفني فقال لا أعرف أحدا يقول بمقالتي هذه إلا راهبا بالإسكندرية فإذا لقيته فاقرأه منى السلام وادفع إليه هذا اللوح فلما توفى غسلته وكفنته ودفنته واخذت اللوح وأتيت الصومعة فأنشأت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وان عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله فأشرف على الديراني فقال لي أنت روزبه فقلت نعم فقال اصعد فصعدت إليه فخدمته حولين كاملين فلما حضرته الوفاة قال لي انى ميت قلت على من تخلفني قال لا أعرف أحدا يقول في الدنيا بمقالتي هذه وان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد حانت ولادته فإذا أتيته فاقرأه عنى السلام وادفع إليه هذا اللوح قال فلما توفى غسلته وكفنته ودفنته واخذت اللوح وخرجت فصحبت قوما فقلت لهم يا قوم اكفوني الطعام والشراب أكفكم الخدمة قالوا نعم قال فما أرادوا ان يأكلوا شدوا على شاة فقتلوها بالضرب ثم جعلوا بعضها كبابا وبعضها شويا فامتنعت من الاكل فقالوا كل فقلت انى غلام ديراني وان الديرانيين لا يأكلون اللحم فضربوني فكادوا يقتلونني فقال بعضهم أمسكوا عنه حتى يأتيكم شرابكم فإنه لا يشرب فلما أتوا بالشراب قالوا أشرب فقلت انى غلام ديراني وان الديرانيين لا يشربون الخمر فشدوا على وأرادوا قتلى فقلت لهم يا قوم: لا تضربوني ولا تقتلوني فإني أقر لكم بالعبودية فأقررت لواحد منهم فأخرجني وباعني بثلاثمائة درهم من رجل يهودي قال فسألني عن قصتي فأخبرته وقلت ليس لي ذنب إلا انى أحببت محمدا ووصيه فقال اليهودي وإني لأبغضك وابغض محمدا ثم أخرجني إلى خارج داره وإذا رمل كثير على بابه فقال والله يا روزبه لان أصبحت ولم تنقل هذا الرمل كله من هذا الموضع لأقتلنك قال فجعلت أحمل طول ليلى فلما جهدني التعب رفعت يدي إلى السماء فقلت يا رب حببت محمد صلى الله عليه وآله ووصيه إلى فبحق وسيلته عجل فرجى وأرحني مما أنا فيه فبعث الله عز وجل ريحا فقلعت ذلك الرمل من مكانه إلى المكان الذي قال اليهودي فلما أصبح نظر إلى الرمل قد نقل كله فقال يا روزبه أنت ساحر وانا لا أعلم فلأخرجنك من هذه القرية كي لا تهلكنا قال فأخرجني وباعني من امرأة سليمية فأحببتني حبا شديدا وكان لها حائط فقالت هذا الحائط لك كل منه ما شئت وهب وتصدق قال فبقيت في ذلك الحائط ما شاء الله فبينا انا ذات يوم في الحائط وإذا انا بسبعة رهط قد أقبلوا تظلهم غمامة فقلت في نفسي والله ما هؤلاء كلهم بأنبياء وان فيهم نبيا قال فاقبلوا حتى دخلوا الحائط والغمامة تسير معهم فلما وصلوا إذا فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين " ع " وأبو ذر والمقداد وعقيل بن أبي طالب (رض وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة فدخلوا الحائط فجعلوا يتناولون من حشف النخل ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول كلوا الحشف ولا تفسدوا على القوم شيئا فدخلت على مولاتي وقلت لها يا مولاتي هبي لي طبقا من رطب فقالت لك ستة اطباق قال فجئت فحملت طبقا من رطب فقلت في نفسي إن كان فيهم نبي فإنه لا يأكل الصدقة فوضعته بين يديه وقلت هذه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كلوا وامسك رسول الله وأمير المؤمنين " ع " وحمزة بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وقال لزيد مد يدك وكل فقلت في نفسي هذه علامة فدخلت على مولاتي وقلت لها هبي لي طبقا آخر فقالت لك ستة اطباق قال فجئت فحملت طبقا من رطب فوضعته بين يديه وقلت هذه هدية فمد يده وقال بسم الله كلوا فمد القوم جميعا أيديهم فأكلوا فقلت في نفسي هذه أيضا علامة قال فبينا أدور خلفه إذ حانت من النبي التفاتة فقال يا روزبه تطلب خاتم النبوة فقلت نعم فكشف عن كتفيه فإذا انا بخاتم النبوة معجون بين كتفيه عليه شعرات قال فسقطت على قدم رسول الله أقبلها فقال لي يا روزبه ادخل على هذه المرأة وقل لها: يقول لك محمد بن عبد الله تبيعينا هذا الغلام فدخلت عليها فقلت لها يا مولاتي ان محمد بن عبد الله يقول لك تبيعينا هذا الغلام فقالت قل له لا أبيعك إلا بأربعمائة نخلة مايتا نخلة منها صفراء ومائتا نخلة منها حمراء قال فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال ما أهون ما سألت ثم قال قم يا علي أجمع هذا النوى كله فجمعه واخذه فغرسه ثم قال اسقه فسقاه أمير المؤمنين " ع " فما بلغ آخره حتى خرج النخل ولحق بعضه بعضا فقال لي ادخل إليها وقل لها يقول لك محمد بن عبد الله خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا قال فدخلت عليها وقلت لها ذلك فخرجت ونظرت إلى النخل فقالت والله لا أبيعكم إلا بأربعمائة نخلة كلها صفراء فهبط جبرئيل فمسح جناحه على النخل فصار كله اصفر، قال ثم قال لي قل لها ان محمدا يقول لك خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا فقلت لها فقالت والله لنخلة من هذه أحب إلى من محمد ومنك فقلت لها والله ليوم مع محمد أحب إلى منك ومن كل شئ أنت فيه فاعتنقني رسول الله وسماني سلمان. وفى بعض الروايات ان النبي صلى الله عليه وآله أتى إليه بمثل شبه بيضة دجاجة من ذهب من بعض الغزوات فقال ما فعل الفارسي المكاتب فدعى سلمان له قال خذ هذه فاد بها ما عليك فقال وأين يقع هذا مما على يا رسول الله فلما قال ذلك سلمان اخذها رسول الله صلى الله عليه وآله فقلبها على لسانه ثم أعطاها سلمان فاخذها فأوفى فيها حقه كله أربعين أوقية.

وفى الشفا نقلا من كتاب البزار أعطاه مثل بيضة دجاجة بعد أن رددها على لسانه فوزن منها لواليه أربعين أوقية وبقى عنده مثل ما أعطاهم.

وروى أبو عمرو ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب ان سلمان اشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله من أربابه وهم قوم يهود بدارهم وعلى ان يغرس لهم من النخل كذا وكذا ويعمل فيها حتى تدرك فغرس رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك النخل كله بيده إلا نخلة واحدة غرسها عمر بن الخطاب فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من غرسها فقيل عمر فقلعها وغرسها رسول الله صلى الله عليه وآله بيده فأطعمت. وفى شواهد النبوة لما جاء سلمان إلى النبي صلى الله عليه وآله لم يفهم النبي كلامه فطلب ترجمانا فأتى بتاجر من اليهود وكان يعلم الفارسية والعربية فمدح سلمان النبي صلى الله عليه وآله وذم اليهودي فحرف اليهودي الترجمة فقال إن سلمان يشتمك فقال النبي هذا الفارسي جاء ليؤذينا فنزل جبرئيل " ع " وترجم كلام سلمان للنبي فقال النبي لليهودي فقال يا محمد إذا كنت تعرف الفارسية فما حاجتك إلى قال ما كنت أعلمها قبل فالآن علمني جبرئيل " ع " أو كما قال فقال اليهودي يا محمد قد كنت قبل هذا اتهمك والآن تحقق عندي انك رسول الله فقال أشهد ان لا إله إلا الله وإنك رسول الله ثم قال رسول الله لجبرئيل " ع " علم سلمان الفارسي العربية قال قل له ليغمض عينيه ويفتح فاه ففعل سلمان فتفل جبرئيل في فيه فشرع سلمان يتكلم بالعربي الفصيح ثم كان شغل سلمان الرق حتى فاته بدر واحد حتى عتق في السنة الخامسة من الهجرة، وفى بعض الروايات انه أسلم بمكة.

وأخرج الشيخ الطوسي (ره) في أماليه باسناده عن حسان بن سدير الصيرفي عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر " ع " قال جلس جماعة من أصحاب رسول الله ينتسبون ويفتخرون وفيهم سلمان ره فقال له عمر ما نسبتك أنت يا سلمان وما أصلك فقال انا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله بمحمد وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد وكنت مملوكا فاعتقني الله بمحمد، فهذا حسبي ونسبي يا عمر ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر له سلمان ما قال عمر وأما أجابه به فقال رسول الله يا معشر قريش ان حسب المرء دينه ومروته خلقه واصله عقله قال الله تعالى (يا أيها الناس انا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ثم أقبل على سلمان (ره) فقال له سلمان انه ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل فمن كنت اتقى منه فأنت أفضل منه وكان سلمان (رضي الله عنه) خيرا فاضلا حبرا عالما زاهدا متقشف ا وهو أول الأركان الأربعة وثانيها المقداد وثالثها أبو ذر ورابعها عمار قال أبو عمرو وأول مشاهد سلمان الخندق وهو الذي أشار بحفره فقال أبو سفيان وأصحابه لما رأوه هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها قال روى أن سلمان شهد بدرا واحدا وهو عبد يومئذ والأكثر ان أول مشاهده الخندق ولم يفته بعد ذلك مشهد. وكتب صلى الله عليه وآله عهدا لحى سلمان بكازرون وصورته بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله سأله سلمان وصية بأخيه ما هاد ابن فروخ وأهل بيته وعقبه من بعده من أسلم منهم وأقام على دينه سلام الله، احمد الله إليكم الذي أمرني أن أقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له أقولها وأأمر الناس بها وان الخلق خلق الله والأمر حكمه.

الله خلقهم وأماتهم وهو ينشرهم واليه المصير وان كل أمر يزول وكل شئ يعيد ويفنى وكل نفس ذائقة الموت من آمن بالله ورسوله كان له في الآخرة دعة الفائزين ومن أقام على دينه تركناه فلا اكراه في الدين وهذا كتاب لأهل بيت سلمان ان لهم ذمة الله وذمتي على دمائهم وأموالهم في الأرض التي يقيمون فيها سهلها وجبلها ومراعيها وعيونها غير مظلومين ولا مضيقا عليهم فمن قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمؤمنات فعليه أن يحفظهم ويكرمهم ويبرهم ولا يتعرض لهم بالأذى والمكروه وقد رفعت عنهم جز الناصية والجزية والخمس والعشر إلى سائر المؤن والكلف ثم إن سألوكم فاعطوهم وان استغاثوا بكم فأغيثوهم وان استجاروا بكم فأجيروهم وإن أساؤا فاغفروا لهم وإن أسيئ إليهم فامنعوا عنهم ولهم ان يعطوا من بيت مال المسلمين في كل سنة مائة حلة في شهر رجب ومائة في الأضحية ومن الأواني مائة فقد استحق سلمان ذلك منا لان فضل سلمان على كثير من المؤمنين وانزل في الوحي على أن الجنة إلى سلمان أشوق من سلمان إلى الجنة وهو ثقتي وأميني تقى نقى ناصح لرسول الله والمؤمنين وسلمان منا أهل البيت فلا يخالفن أحد هذه الوصية فمن خالفها فقد خالف الله ورسوله وعليه اللعنة إلى يوم الدين ومن أكرمهم فقد أكرمني وله عند الله الثواب ومن آذاهم فقد آذاني وانا خصمه يوم القيامة وجزاؤهم جهنم وبرئت منه ذمتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكتب علي بن أبي طالب بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله في رجب سنة تسع من الهجرة وحضر أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسلمان وأبو ذر وعمار وعتبة وبلال والمقداد وجماعة آخرون من المؤمنين. قال بعض المؤرخين: ماهاد بن فروخ المكتوب باسمه العهد أبن أخ سلمان الفارسي وهو ماهاد بن فروخ بن بدخشان وعقبه بفارس وهذا العهد في أيديهم إلى الآن وهو مكتوب على أديم أبيض مختوم بخاتم النبي صلى الله عليه وآله وعليه ختم أبى بكر وعثمان والله أعلم.

ويستفاد من هذا العهد ان التاريخ كان من زمن النبي صلى الله عليه وآله وهو خلاف المشهور من أن التاريخ بالهجرة إنما وضعه عمر بن الخطاب في أيام خلافته والله أعلم. وقد ورد في شأن سلمان أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام. فمنها ما رواه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن عمرو بن عوف عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: سلمان منا أهل البيت. قال الشيخ محيي الدين ابن العربي في الفتوحات لما كان النبي صلى الله عليه وآله عبدا محضا أي خالصا قد طهره الله تعالى وأهل بيته تطهيرا وأذهب عنهم الرجس وكلما يشينهم فان الرجس هو القذر عند العرب على ما حكاه القرآن قال تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فلا يضاف إليهم إلا مطهر ولابد أن يكون كذلك فان المضاف إليهم هو الذي يشبههم فما يضيفون لأنفسهم إلا من له حكم الطهارة والتقديس فهذا شهادة من النبي صلى الله عليه وآله لسلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الإلهي والعصمة حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله سلمان منا أهل البيت وشهد الله لهم بالتطهير وذهاب الرجس عنهم وإذا كان لا يضاف إليهم إلا مطهر مقدس وحصلت له العناية الآلهية بمجرد الإضافة فما ظنك باهل البيت في نفوسهم فهم المطهرون بل عين الطهارة ومنها ما روى عنه صلى الله عليه وآله من وجوه انه قال لو كان الدين في الثريا لناله سلمان.

وفى رواية أخرى لناله رجل من فارس. ومنها ما روى من حديث ابن بريدة عن أبيه ان رسول الله قال أمرني ربى بحب أربعة وأخبرني انه يحبهم على " ع " وأبو ذر والمقداد وسلمان. ومنها ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله قال إن الجنة لأشوق إلى سلمان من سلمان إلى الجنة وان الجنة لأعشق لسلمان من سلمان إلى الجنة. ومنها ما رواه أبو هريرة قال تلا رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الآية (وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) قالوا ومن يستبدل بنا فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على منكب سلمان ثم قال هذا وقومه (وفى رواية) قال: قال ناس من أصحاب رسول الله يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله تعالى ان تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا قال وكان سلمان يحب رسول الله فضرب رسول الله فخذ سلمان قال هذا وأصحابه والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجل من فارس أخرجه الترمذي. قال أبو عمرو في (الاستيعاب) وفى الحديث المروى ان أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر من المسلمين فقالوا ما أخذت السيوف مأخذها من عنق عدو الله وأبو سفيان يسمع قولهم فقال لهم أبو بكر تقولون هذا لشيخ قريش وسيدها وأتى النبي فأخبره فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله. قال وقد روينا عن عائشة انها قالت كان لسلمان مجلس من رسول الله صلى الله عليه وآله ينفرد به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله صلى الله عليه وآله. قال وقد روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي " ع " انه سأل عن سلمان فقال علم العلم الأول والعلم الآخر ذاك بحر لا ينزف هو منا أهل البيت.

قال المؤلف أخرج الكشي في كتابه عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر " ع " قال: قال تروى ما يروى الناس ان عليا " ع " قال في سلمان أدرك علم الأول وعلم الآخر قلت نعم قال فهل تدرى ما عنى قال قلت يعنى علم بني إسرائيل وعلم النبي فقال ليس هذا يعنى ولكن علم النبي وعلم على وأمر النبي وأمر على صلوات الله عليهما وأخرج عن زرارة قلت سمعت أبا عبد الله " ع " يقول أدرك سلمان العلم الأول والعلم الآخر وهو منا أهل البيت بلغ من علمه انه مر برجل في رهط فقال له يا عبد الله تب إلى الله عز وجل من الذي عملت به في بطن بيتك البارحة قال ثم مضى فقال له القوم لقد رماك سلمان بأمر فما دفعته عن نفسك قال إنه أخبرني بأمر ما اطلع عليه إلا الله. وعن الحسن بن صهيب عن أبي جعفر " ع " عن أبيه " ع " عن جده عن علي بن أبي طالب " ع " قال ضاقت الأرض بسبعة بهم ترزقون وبهم تنصرون وبهم تمطرون منهم سلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر وعمار وحذيفة وكان على " ع " يقول وانا امامهم وهم الذين صلوا على فاطمة " ع ".

وأخرج الشيخ الطوسي في أماليه عن منصور بن بزرج قال قلت لأبي عبد الله الصادق " ع " ما أكثر ما اسمع منك سيدي ذكر سلمان الفارسي قال " ع " لا تقل سلمان الفارسي ولكن قل سلمان المحمدي أتدري ما أكثر ذكرى له قلت لا قال لثلاث خصال إيثاره هوى أمير المؤمنين " ع " على هوى نفسه، والثانية حبه للفقراء واختياره إياهم على أهل الثروة والعدد، والثالثة حبه للعلم والعلماء ان سلمان كان عبدا صالحا حنيفا مسلما وما كان من المشركين. وأخرج الكشي عن محمد بن حكيم قال ذكر عند أبي جعفر " ع " سلمان المحمدي فقال إن سلمان منا أهل البيت انه كان يقول للناس هربتم من القرآن إلى الأحاديث وجدتم كتابا دقيقا حوسبتم فيه على النقير والقمطير والفتيل وحبة الخردل فضاق عليكم ذلك وهربتم إلى الأحاديث التي اتسعت عليكم.

وعن زرارة عن أبي جعفر " ع " قال كان على محدثا وكان سلمان محدثا. وعن أبي بصير عن أبي عبد الله " ع " قال كان والله على محدثا وكان سلمان محدثا قلت أشرح قال يبعث الله إليه ملكا ينقر في اذنه يقول كيت وكيت.

وعن أبي العباس أحمد بن حماد المروزي عن الصادق " ع " انه قال في الحديث الذي روى فيه ان سلمان كان محدثا قال إنه كان محدثا عن امامه لا عن ربه لأنه لا يحدث عن الله تعالى إلا الحجة. وعن عبد الرحمن بن أعين قال سمعت أبا جعفر يقول: كان سلمان من المتوسمين. وعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله " ع " يقول سلمان علم الاسم الأعظم.

وعن جابر عن أبي جعفر " ع " قال دخل أبو ذر على سلمان وهو يطبخ قدرا له فبينما هما يتحادثان إذ انكبت القدر لي وجهها فلم يسقط منها شئ من مرقها ولا من ودكها قال فخرج أبو ذر وهو مذعور من عند سلمان فبينما هو متفكر إذ لقى أمير المؤمنين " ع " على الباب فلما ان بصر به أمير المؤمنين " ع " قال يا أبا ذر ما الذي أخرجك من عند سلمان ومن الذي ذعرك فقال له أبو ذر يا أمير المؤمنين رأيت سلمان صنع كذا وكذا، فعجبت من ذلك.

فقال: أمير المؤمنين عليه السلام يا أبا ذر إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان، يا أبا ذر سلمان باب الله في الأرض من عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا وان سلمان منا أهل البيت. وعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله " ع " يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا سلمان لو عرض علمك على المقداد لكفر يا مقداد لو عرض علمك على سلمان لكفر. وعن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه " ع " قال ذكرت التقية يوما عند على " ع " فقال إن أبا ذر لو علم ما في قلب سلمان لقتله وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما فما ظنك بسائر الناس. قال المؤلف اختلف أقوال العلماء في معنى هذا الحديث. فمنهم من أوله ومنهم من حمله على ظاهره وأولى ما قيل فيه ان مقام أبي ذر دون مقام سلمان لأن مقام أبي ذر في الثامنة ومقام سلمان في التاسعة فلو اطلع أبو ذر على غير مقامه لقتله وما منا إلا له مقام معلوم. وروى صاحب نزهة المذكورين ان سلمان خرج مع أصحابه فأصابتهم مخمصة فاقبل ظبي فدعاه وقال كن مشويا لينتفع أصحابي بك فصار مشويا فأكلوا منه حتى شبعوا ثم قال قم بإذن الله فقام فذهب إلى الصحراء فقيل له في ذلك فقال كل من أطاع الله فان الله يجيبه ويجيب دعوته كما قال تعالى (ادعوني أستجب لكم). وأخرج الكشي عن الحسن بن منصور قال قلت للصادق " ع " أكان سلمان محدثا قال " ع " نعم قلت من يحدثه قال ملك كريم قلت فإذا كان سلمان كذا فصاحبه أي شئ هو قال أقبل على شأنك. وفى رواية زاذان عن أمير المؤمنين " ع " سلمان الفارسي كلقمان الحكيم. وحكى عن الفضل بن شاذان انه قال ما نشأ في الاسلام رجل كان أفقه من سلمان. وروى قتادة عن أبي هريرة قال سلمان صاحب الكتابين يعنى الإنجيل والقرآن وعن الصادق جعفر بن محمد " ع " قال عاد رسول الله صلى الله عليه وآله سلمان الفارسي فقال يا سلمان لك في علتك ثلاث خصال أنت من الله عز وجل بذكر ودعاؤك فيه مستجاب ولا تدع العلة عليك ذنبا إلا حطته متعك الله بالعافية إلى منتهى أجلك.

وعنه عن أبيه عن جده " ع " قال وقع بين سلمان الفارسي (ره) وبين رجل كلام وخصومة فقال له الرجل من أنت يا سلمان فقال اما أولى وأولك فنطفة قذرة واما آخري وآخرك فجيفة منتنة فإذا كان يوم القيامة ووضعت الموازين فمن ثقلت موازينه فهو الكريم ومن خف ميزانه فهو اللئيم. وعن أبي بصير قال سمعت الصادق جعفر بن محمد " ع " يحدث عن أبيه عن آبائه " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوما لأصحابه أيكم يصوم الدهر فقال سلمان انا يا رسول الله فقال رسول الله أيكم يحيى الليل فقال سلمان انا يا رسول الله قال أيكم يختم القرآن كل يوم فقال سلمان انا يا رسول الله فغضب بعض أصحابه فقال يا رسول الله ان سلمان من الفرس يريد ان يفتخر علينا معاشر قريش قلت أيكم يصوم الدهر فقال انا وهو أكثر أيامه يأكل وقلت أيكم يحيي الليل فقال انا وهو أكثر ليلته نائم وقلت أيكم يختم القرآن في كل يوم فقال انا وهو أكثر نهاره صامت فقال النبي صلى الله عليه وآله مه يا فلان أنى لك بمثل لقمان الحكيم سله فإنه ينبئك فقال الرجل يا أبا عبد الله الست زعمت أنك تصوم الدهر فقال نعم فقال رأيتك في أكثر نهارك تأكل فقال ليس حيث تذهب انى أصوم الثلاثة في الشهر وقال الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها واصل شعبان بشهر رمضان فذلك الدهر فقال أليس زعمت أنك تحيي الليل فقال نعم فقال أنت أكثر ليلك نائم فقال ليس حيث تذهب ولكني سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول من بات على فراشه على طهر فكأنما أحيى الليل كله فانا أبيت على طهر فقال أليس زعمت أنك تختم القرآن في كل يوم فقال نعم فقال أنت أكثر أيامك صامت فقال ليس حيث تذهب ولكني سمعت حبيبي رسول الله يقول لعلى عليه السلام يا أبا الحسن مثلك في أمتي مثل قل هو الله أحد فمن قرأها مرة فقد قرأ ثلث القرآن ومن قرئها مرتين فقد قرأ ثلثي القرآن ومن قرأها ثلاث مرات فقد ختم القرآن فمن أحبك بلسانه فقد كمل ثلث إيمانه ومن أحبك بلسانه وقلبه فقد كمل له ثلثا الأيمان ومن أحبك بلسانه وقلبه ونصرك بيده فقد استكمل الأيمان والذي بعثني بالحق نبيا يا علي لو أحبك أهل الأرض كمحبة أهل السماء لك لما عذب الله أحدا بالنار وانا اقرأ قل هو الله أحد في كل يوم ثلاث مرات فقام الرجل كأنه قد ألقم حجرا. وعن سلمان (ره) قال بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والمولاة له.

وعن زاذان قال سمعت سلمان يقول انى لا أزال أحب عليا فإني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يضرب فخذه ويقول محبك لي محب مبغضك لي مبغض ومبغضي لله مبغض. وعن حباب بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر " ع " قال كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا ثلاثة فقلت من هم فقال المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي ثم عرف الناس بعد يسير وقال هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤوا بأمير المؤمنين " ع " مكرها فبايع وذلك قول الله عز وجل وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الآية. وفى رواية عن أبي جعفر " ع " في أمر البيعة ان سلمان عرض في قلبه عارض ان عند أمير المؤمنين " ع " اسم الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض وهو هكذا فلبب ووجئت عنقه حتى تركت كالسلعة فمر به أمير المؤمنين " ع " فقال له يا أبا عبد الله هذا من ذاك بايع فبايع. وفى رواية ان سلمان قال لهم لما بايعوا أبا بكر (كرديد ونكرديد) أي فعلتم ولم تفعلوا، قالت المعتزلة معناه استخلفتم خليفة ونعم ما فعلتم إلا انكم عدلتم عن أهل البيت فلو كان الخليفة منهم كان أولى والامامية تقول معناه أسلمتم وما أسلمتم. قال المؤلف وفى رواية سليم بن قيس عن سلمان (رض) كلام بالعربية يمكن ان يكون تفسيرا لهاتين الكلمتين قال سليم قلت لسلمان بايعت أبا بكر ولم تقل شيئا قال قد قلت بعد ما بايعت تبا لكم سائر الدهر أتدرون ما ذا صنعتم بأنفسكم أصبتم وأخطأتم أصبتم سنة الأولين وأخطأتم سنة نبيكم حين أخرجتموها من معدنها وأهلها قال سلمان أخذوني فوجأوا في عنقي حتى تركوها مثل السلعة ثم فتلوا يدي فبايعت مكرها. وفى رواية أبان بن تغلب عن الصادق " ع " قال قام سلمان الفارسي فقال الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا صمتا أذناي يقول بينما أخي وابن عمى جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أهل النار يريدون قتله وقتل من معه فلست أشك انكم هم فهم به عمر بن الخطاب فوثب إليه أمير المؤمنين " ع " وأخذ بمجامع ثوبه وجلد به الأرض ثم قال يا بن صهاك الحبشية لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله تقدم لأريتك أينا أضعف ناصرا وأقل عددا. وفى رواية سليم قال سلمان فقال لي عمر أما إذا بايع صاحبك فقل ما بدا لك وليقل ما بدا له قال فقلت إني أشهد إني سمعت رسول الله يقول إن عليك وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب الثقلين إلى يوم القيامة ومثل عذابهم قال قل ما شئت أليس قد بايع ولم تقر عينك بان يليها صاحبك قال قلت فإني أشهد انى قرأت في بعض الكتب كتب الله المنزلة انه باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنم قال قل ما شئت أليس قد عزلها الله عن أهل البيت الذين قد اتخذتموهم أربابا قال فقلت فإني أشهد انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول وقد سألته عن هذه الآية (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد) انك أنت هو فقال أسكت اسكت الله نامتك أيها العبد ابن الخناء فقال على " ع " اسكت يا سلمان فسكت ووالله لولا أنه امرني بالسكوت لأخبرته بكل شئ نزل فيه وفى صاحبه قال سليم ثم أقبل على سلمان فقال إن القوم ارتدوا بعد رسول الله إلا من عصمه الله بآل محمد فأن الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بمنزلة هارون ومن أتبعه وبمنزلة العجل ومن أتبعه فعلى " ع " في سنة هارون وعتيق في سنة السامري وسمعت رسول الله يقول لتركن أمتي سنة بني إسرائيل حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع. وروى أن سلمان خطب إلى عمر فرده ثم ندم فعاد إليه فقال إنما أردت ان أعلم ذهبت حمية الجاهلية من قلبك أم هي كما هي. قال ابن شهرآشوب في المناقب كان عمر وجه سلمان أميرا إلى المدائن وأنما أراد له الختلة فلم يفعل إلا بعد أن استأذن أمير المؤمنين " ع " فمضى فأقام بها إلى أن توفى وكان يحطب في عبائة يفترش نصفها ويلبس نصفها ووقع حريق في المدائن وسلمان أميرها فلم يكن في بيته إلا مصحف وسيف فرفع المصحف في يده وحمل السيف في عنقه وخرج قائلا هكذا ينجوا المخفون قيل دخل عليه رجل فلم يجد في بيته إلا سيفا ومصحفا فقال له ما في بيتك إلا ما أرى قال إن أمامنا منزل كؤود وإنا قد قدمنا متاعنا إلى المنزل. قال الحسن كان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان أميرا على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين وكان يحطب في عبائة يفترش نصفها ويلبس نصفها فإذا خرج عطاؤه تصدق به.

قيل ولم يكن له بيت يظله إنما كان يدور مع الظل حيث دار. قال أبو عمرو وقد ذكر أبن وهب بن نافع ان سلمان لم يكن له بيت إنما كان يستظل بالجدار والشجر وان رجلا قال له الا ابني لك بيتا تسكن فيه قال لا حاجة في ذلك فما زال به الرجل حتى قال له انا أعرف البيت الذي يوافقك قال فصفه لي قال ابني لك بيتا إذا أنت كنت فيه أصاب رأسك سقفه وان أنت مددت فيه رجليك أصابهما الجدار قال نعم فبنى له. قال: قال وكان سلمان يسف الخوص وهو أمير على المدائن ويبيعه ويأكل منه ويقول لا أحب ان أكل إلا من عمل يدي وقد كان تعلم سف الخوص من المدينة. قال غيره كان يأكل من عمل يده ويطحن مع الخادمة ويعجن عنها إذا أرسلها في حاجة ويقول لا تجمع عليها عملين وكان يعمل من الخوص قفافا فيبيع ذلك بثلاثة دراهم فيرد درهما في الخوص وينفق على عياله درهما ويتصدق بدرهم وكان لا يأكل من صدقات الناس ويقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال سلمان منا أهل البيت وكان غالب الناس ممن لا يعرفه يسخرونه في حمل أمتعتهم من السوق لرثاثة ثيابه فربما عرفوه فيعتذرون إليه ويقولون تحمل عنك فيقول لا حتى أصل إلى المنزل وها هو ذاك. قيل وربما حمل حزمة الحطب على رأسه من السوق فإذا رأى ازدحام الناس قال أوسعوا الطريق للأمير.

وكان لا يحضر بين يديه طعام عليه أدامان. وروى الأعمش عن أبي وائل قال ذهبت انا وصاحب لي إلى سلمان الفارسي فلما جلسنا عنده قال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن الكلف لتكلفت لكم ثم جاء بخبز وملح ساذج لا برار عليه فقال صاحبنا لو كان في ملحنا صعتر فبعث سلمان بمطهرته فرهنها على الصعتر فلما أكلنا قال صاحبي الحمد لله الحمد لله الذي أقنعنا بما رزقنا فقال سلمان لو قنعت بما رزقك الله لم تكن مطهرتي مرهونة. وروى أن أبا ذر استضافه فقدم له خبز شعير وملحا فقال أبو ذر أردنا خلا وبقلا فرهن سلمان ركوته على ذلك فلما فرغا من الاكل قال أبو ذر الحمد لله على القناعة قال سلمان لو كنت قنعت لما كانت ركوتي مرهونة وأخرج الشيخ محمد بن علي بن بابويه في أماليه باسناده عن عبد العظيم ابن عبد الله الحسنى عن الأمام محمد بن علي عن أبيه الرضا علي بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهما السلام قال اخذ سلمان أبا ذر إلى منزله فقدم له رغيفين فاخذ أبو ذر يقلبهما فقال له سلمان يا أبا ذر لأي شئ تقلب هذين الرغيفين قال خفت ان لا يكونا نضجين فغضب سلمان من ذلك غضبا شديدا ثم قال ما أجرأك حيث تقلب هذين الرغيفين فوالله لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرش. وعمل فيه الملائكة حتى القوة إلى الريح وعملت فيه الريح حتى ألقته إلى السحاب. وعمل فيه السحاب حتى أمطره إلى الأرض، وعمل فيه الرعد والملائكة حتى وضعوه مواضعه، وعملت فيه الأرض والخشب والحديد والبهائم والنار والحطب والملح وما لا أحصيه أكثر فكيف لك ان تقوم بهذا الشكر فقال أبو ذر إلى الله أتوب وأستغفر الله مما أحدثت واليك اعتذر مما كرهت. وروى عن جرير بن عبد الله انه قال انتهيت مرة إلى ظل شجرة وتحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت الشمس النطع فسويته عليه ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي (رض) فذكرت له ما صنعت فقال يا جرير تواضع لله في الدنيا فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة قلت لا؟ قال فإنه ظلم الناس بعضهم بعضا في الدنيا.

وأخرج الكشي عن النصيبي عن أبي عبد الله قال: قال أمير المؤمنين " ع " لسلمان يا سلمان إذهب إلى فاطمة فقل لها تتحفك من تحف الجنة فذهب إليها سلمان فإذا بين يديها ثلاث سلال فقال يا بنت رسول الله أتحفيني قالت هذه سلال جائني بها ثلاث وصائف فسألتهن عن أسمائهن فقالت واحدة انا سلمى لسلمان وقالت الأخرى انا ذرة لأبي ذر وقالت الأخرى انا مقدودة للمقداد ثم قبضت فناولتني فما مررت بملأ إلا ملئوا طيبا لريحها. وأخرج الكشي باسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: خطب سلمان فقال الحمد لله الذي هداني لدينه بعد جحودي له وأنا مذك لنار الكفر أهل لها نصيبا وأثبت لها نصيبا وأثبت لها رزقا حتى ألقى الله عز وجل في قلى حب تهامة فخرجت جائعا ظمآنا قد طردني قومي وأخرجت من مالي ولا تحملني حمولة ولا متاع يجهزني ولا مال يقوتني وكان من شأني ما قد كان حتى أتيت محمدا صلى الله عليه وآله فعرفت من العرفان ما كنت أعلمه ورأيت من العامة ما أخبرت بها فأنقذوني به من النار فثبت على المعرفة التي دخلت بها في الاسلام. الا أيها الناس اسمعوا من حديثي ثم انقلوه عنى فقد أوتيت العلم كثيرا ولو أخبرتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة انه لمجنون، وقالت طائفة أخرى اللهم اغفر لقاتل سلمان، ألا ان لكم منايا تتبعها بلايا وان عند على علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب على منهاج هارون ابن عمران قال له رسول الله صلى الله عليه وآله أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى ولعلكم أصبتم سنة الأولين وأخطأتم سبلكم والذي نفس سلمان بيده لتركبن طبقا عن طبق سنة بني إسرائيل القذة بالقذة اما والله لو وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم فابشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء وقد نابذتكم على سواء وانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء اما والله لو انى ادفع ضيما أو أعز لله دينا لوضعت سيفي على عاتقي ثم لضربت به قدما قدما وهي خطبة طويلة لم نر التطويل بذكرها كلها هنا. (وروى) ابن شهرآشوب في المناقب قال: كان الناس يحفرون الخندق وينشدون سوى سلمان فقال النبي صلى الله عليه وآله اللهم اطلق لسان سلمان ولو على بيت من الشعر فأنشأ سلمان يقول:

مالي لسان فأقول الشعرا * اسأل ربى قوة ونصرا

على عدوى وعدو الطهرا * محمد المختار حاز الفخرا

حتى أنال في الجنان قصرا * مع كل حوراء تحاكي البدرا

فضج المسلمون وجعلت كل قبيلة تقول سلمان منا فقال النبي صلى الله عليه وآله: سلمان منا أهل البيت.

وروى أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان من الشام أقدم يا أخي إلى بيت المقدس فلعلك تموت فيه فكتب إليه سلمان أما بعد فان الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس كل إنسان عمله والسلام. وقيل إن سلمان الفارسي (رض) لما مرض مرضه الذي مات فيه اتاه سعد يعوده فقال كيف تجدك أبا عبد الله فبكى فقال ما يبكيك فقال والله لا أبكي حرصا على الدنيا ولا حبا لها ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلينا عهدا فقال ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب فأخشى ان يكون قد جاوزنا أمره وهذه الأساود حولي وليس حوله إلا مطهرة وإجانة وجفنة وأخرج الكشي عن عمرو بن يزيد قال سلمان قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله إذا حضرك أو أخذك الموت حضر أقوام يجدون الريح ولا يأكلون الطعام ثم أخرج صرة من مسك فقال هبة أعطانيها رسول الله ثم بلها ونفحها حوله ثم قال لامرأته قومي أجيفي الباب فقامت وأجافت الباب ثم رجعت وقد قبض رحمه الله.

وروى حبيب بن الحسن العكي عن جابر الأنصاري قال صلى بنا أمير المؤمنين صلاة الصبح ثم أقبل علينا فقال معاشر الناس أعظم الله أجركم في أخيكم سلمان فقالوا في ذلك فلبس عمامة رسول الله ودراعته وأخذ قضيبه وسيفه وركب على العضباء وقال لقنبر عد عشرا قال ففعلت فإذا نحن على باب سلمان قال زاذان فلما أدركت سلمان الوفاة قلت له من المغسل لك؟ قال من غسل رسول الله فقلت انك بالمدائن وهو بالمدينة فقال يا زاذان إذا شددت لحيي تسمع الوجبة فلما شددت لحييه سمعت الوجبة وأدركت الباب فإذا انا بأمير المؤمنين " ع " فقال يا زاذان قضى أبو عبد الله سلمان؟ قلت نعم يا سيدي فدخل وكشف الرداء عن وجهه فتبسم سلمان إلى أمير المؤمنين فقال له مرحبا يا أبا عبد الله إذا لقيت رسول الله فقل له ما مر على أخيك من قومك. وفى رواية أخرى عن زاذان ان أمير المؤمنين " ع " لما جاء ليغسل سلمان وجده قد مات فتبسم في وجهه وهم ان يجلس فقال له أمير المؤمنين عد إلى موتك قال زاذان ثم أخذ " ع " في تجهيزه فلما صلى عليه كنا نسمع من أمير المؤمنين تكبيرا شديدا وكنت رأيت معه رجلين فسألته عنهما فقال أحدهما أخي جعفر " ع " والآخر الخضر " ع " ومع كل واحد منهما سبعون صفا من الملائكة في كل صف الف الف ملك. 

وقد أشار إلى هذه الحكاية أبو الفضل اليمنى في قوله:

          سمـــــــعت منـــــــى يسيــــــرا مـــــــــن عــــجائبه   

                                          وكل أمر على لم يزل عجبا دريت عن ليلة سار الوصي بها

         إلى المدائن لما ان لها طلبا فالحد الطهر سلمانا وعاد إلى 

                                        عراص يثرب والاصباح ما قربا كآصف قبل رد الطرف من سبأ 

       بعرش بلقيس وافى يحرق الحجبا أراك في آصف لم تغل أنت بلا 

                                               أنا بحيدر غال أورد الكذبا ان كان احمد خير المرسلين فذا 

       خير الوصيين أو كل الحديث هبا وقلت ما قلت من قول الغلاة فما 

                                                 ذنــــــــب الغـــــــــــــلاة إذا قـــــــالوا الـــــــذي وجــــــــــبا

وروى أن ابن عباس رأى سلمان في منامه وعليه تاج من ياقوت وحلي وحلل فقال له ما أفضل الأشياء بعد الأيمان في الجنة فقال ليس في الجنة بعد الايمان بالله ورسوله صلى الله عليه وآله شئ هو أفضل من حب علي بن أبي طالب " ع ".

وتوفى سلمان (رض) سنة خمس وثلاثين من الهجرة وقيل في أول سنة ستة وثلاثين في آخر خلافة عثمان واختلف في مقدار عمره فقيل ثلاثمائة وخمسون وقيل أكثر من أربع مائة سنة وانه أدرك وصى عيسى " ع " وقيل مائتان وخمسون سنة وكان له من الولد عبد الله وبه كان يكنى ومحمد وله عقب مشهور وما اشتهر من أن سلمان (رض) كان مجبوبا كلام ينقله جهلة الصوفية لا أصل له والله أعلم.


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق